ابن كثير

257

البداية والنهاية

بالكوفة : وبعث إلى عثمان بن حنيف بذلك ، وخطب الناس فحثهم على ذلك ( 1 ) . وعزم على التجهز . وخرج من المدينة ، واستخلف عليها قثم بن العباس ، وهو عازم أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه وخرج عن أمره ولم يبايعه مع الناس ، وجاء إليه ابنه الحسن بن علي فقال : يا أبتي دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين ، ووقوع الاختلاف بينهم ، فلم يقبل منه ذلك ، بل صمم على القتال ، ورتب الجيش ، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية ، وجعل ابن العباس على الميمنة ، وعمرو بن أبي سلمة على الميسرة ، وقيل جعل على الميسرة عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ، وجعل على مقدمته أبا ليلى بن عمرو بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة ، واستخلف على المدينة قثم بن العباس ولم يبق شئ إلا أن يخرج من المدينة قاصدا إلى الشام ، حتى جاءه ما شغله عن ذلك وهو ما سنورده . ابتداء وقعة الجمل لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق ، كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في هذا العام فرارا من الفتنة ، فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل ، أقمن بمكة بعدما خرجوا منها ، ورجعوا إليها وأقاموا بها وجعلوا ينتظرون ما يصنع الناس ويتجسسون الاخبار فلما بويع لعلي وصار حظ الناس عنده بحكم الحال وغلبة الرأي ، لا عن اختيار منه لذلك رؤس أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان ، مع أن عليا في نفس الامر يكرههم ، ولكنه تربص بهم الدوائر ، ويود لو تمكن منهم ليأخذ حق الله منهم ، ولكن لما وقع الامر هكذا واستحوذوا عليه ، وحجبوا عنه علية الصحابة فر جماعة من بني أمية ( 2 ) وغيرهم إلى مكة ، واستأذنه طلحة بن الزبير في الاعتمار ، فأذن لهما فخرجا إلى مكة وتبعهم خلق كثير ، وجم غفير ، وكان علي لما عزم على قتال أهل الشام قد ندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه ، فطلب عبد الله بن عمر بن الخطاب وحرضه على الخروج معه ، فقال : إنما أنا رجل من أهل المدينة ، إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة ، ولكن لا أخرج للقتال في هذا العام ، ثم تجهز ابن عمر وخرج إلى مكة ، وقدم إلى مكة أيضا في هذا العام يعلى بن أمية ( 3 ) من اليمن ، - وكان عاملا عليها لعثمان - ، ومعه ستمائة بعير وستمائة ألف درهم ( 4 ) ، وقدم لها عبد الله بن عامر من البصرة ، وكان نائبها لعثمان ، فاجتمع فيها خلق من سادات الصحابة ، وأمهات المؤمنين ، فقامت عائشة رضي الله عنها في الناس تخطبهم وتحثهم على القيام بطلب دم عثمان ، وذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام ، ولم يراقبوا

--> ( 1 ) انظر خطبته في أهل المدينة في الطبري 5 / 163 - 164 والكامل لابن الأثير 3 / 204 . ( 2 ) منهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط - أخو عثمان - مروان بن الحكم - عبد الله بن عامر - ابن خال عثمان - وعبد الله بن عامر الحضرمي وسعيد بن العاص . ( 3 ) الصواب يعلى بن منية . ( 4 ) كذا في الأصل والطبري والكامل . وفي فتوح ابن الأعثم : أربعمائة بعير .